الشيخ عبد الغني النابلسي
100
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
وصعد الناس معنا حتى غصّت بهم هاتيك الأماكن المرتفعة العليّة ، وحين أقبلنا على المدرسة المذكورة ، رأينا بابا عظيما مصنوعا من الأحجار المنحوتة الملوّنة المحفورة ، وعليه رواق المدرسة مبنيّ بالأعمدة الرّخام ، والأحجار الكبار العظام ، والعقد المقبى العالي ، وكمال الرونق والبهجة كالكوكب المتلالي ، حين صعدنا في نحو خمسين درجة من الدّرجات الكبار المبنيّة بالمنحوت من الأحجار ، وهو درج ملفوف مشترك مع درج المنارة المشتملة من المحاسن على صنوف ، وفي أثناء الدّرج شبابيك كبار من النّحاس مطلّات على الحرم ، ينظر الصّاعد فيها إلى الناس ، ثم دخلنا من فوق ذلك الدّرج إلى عمارة ، وذلك على / مقدار النصف من درج المنار ، فعبرنا إلى درج واسع الفضا ، مزخرف الجوانب بالأحجار المنحونة إذا طلعت عليه الشمس أضا ، يطل عليه أربع شبابيك من شبابيك المدرسة ، معقودة من النحاس الأصفر ، يروق في المنظر ، ثم عبرنا من باب آخر مصنوع بالأحجار المنحوتة ، والزّخارف والكتابات التي تظلّ العيون بها مبهوتة ، فوجدنا ممشى صغيرا مبلّطا بالرخام ، والدقيق الملوّن من الأحجار العظام ، وهناك جهتان مشتملتان على بابين ، أحدهما على اليمين ، والآخر على الشّمال ، فالذي على الشّمال يتوصّل منه إلى مطبخ وبيت طهارة وما يحتاج إليه من الأحوال ، فأخذنا من ذلك جهة اليمين فوجدناه بابا بمصراعين لطيفين ، فدخلنا منه إلى ميدان من ألطف الميادين ، مفروش جميعه بالسّماقي الملوّن على ألوان ، والرّخام الأبيض والدقّي من الحجارة التي تزيّن المكان ، مسقوف بالسّقوف العجميّة المدهونة التي تحيّر الأذهان فإذا هي قاع متقنة البنيان محكمة الأركان واسعة كبيرة مشرقة منيرة ، تشتمل على أربعة إيوانات ، وهي بالسّقوف العجمية التي
--> - السلسلة سنة 887 ه فصارت جوهرة ثالثة بعد قبة الصخرة وقبة الأقصى كما يقول الحنبلي 2 / 35 ، وللتوسع في أمرها انظر : المدارس في بيت المقدس في العصر الأيوبي والمملوكي للدكتور عبد الجليل عبد المهدي ، عمّان 1981 م 2 / 156 - 173 . ولمعرفة وضع المدرسة اليوم وتطور أحوالها انظر كنوز القدس / ص 306 .